محمد متولي الشعراوي

1319

تفسير الشعراوى

لقد طلب زكريا عليه السّلام وليّا يرثه ، والأنبياء لا تورث منهم أموال ، إنما يورّثون العلم والحكمة ، إذن فقد طلب زكريا عليه السّلام أن يرث ابنه الحكمة منه ويرث من آل يعقوب وأن يجعله اللّه رضيّا . فلو كان الأنبياء يورّثون المال ، لكان البعض قد فهم أن طلب زكريا للابن كي يرثه في المال ، لكن الحق أراد لأنبيائه ألّا يورّثوا المال ، بل يورّثون العلم بمنهج اللّه . وقد طلب زكريا الابن لتثبيت منهج اللّه في الأرض . وكذلك الذي يريد الأموال لينفقها في سبيل اللّه ، وكذلك الذي يريد الخيل ليروضها على الجهاد ، وكذلك الذي يريد الحرث ليملأ بطون خلق اللّه بما يطعمون منه ، كل هؤلاء ينالهم المدح والثناء والجزاء الكثير من اللّه . لذلك يجب أن نعلم أن الحكم يأتي من اللّه محتملا أن تتجه به إلى الخير المراد للّه ، ومحتملا أن تتجه به إلى الشر المراد لنفسك . وأنت - أيها العبد - حين تنظر إلى أي شهوة من هذه الشهوات فلسوف تجد أنه من الممكن أن توجّهها وجهة خير . يقول الحق : هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( من الآية 74 من سورة الفرقان ) لقد أراد اللّه للأتقياء والأنبياء أن يكون لهم من الذرية أبناء ليرثوا المنهج السلوكى ويكونوا مثلا طيبة للناس يقتدون بهم . إذن فالمؤمن يحب أن تكون ذريته قدوة سلوكية . والذي يحب الخيل يمكن أن يوجه هذا الحب إلى الخير ، ألم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الشريف : عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : ( من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللّه يطير على متنه كلما سمع هيّعة « 1 » أو فزعة طار عليه يبتغى القتل والموت مظانّة « 2 » ) « 3 » .

--> ( 1 ) الهيعة : كل ما أفزع من جانب العدو من صوت أو خبر . ( 2 ) مظانه : بفتح الميم والظاء المعجمة وتشديد النون منصوب على الظرفية : أي يطلبه في المحل الذي يظن وجوده فيه طلبا لمرضاة اللّه تعالى . ( 3 ) رواه مسلم من حديث لأبى هريرة .